نخبة من الأكاديميين

18

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

البرية ، مستفيدةً من الصراع بينهم وبين السلوقيين . غير أن ذلك لم يدم طويلًا ، فما لبث الرومان ، القوة الصاعدة في غرب المتوسط أن أطاحوا الدولتين المتنافستين ، لتصبح البتراء في فلك نفوذهم المباشر ، قبل القضاء النهائي عليها في مطلع القرن الثاني الميلادي ، مستعيضين عنها ب - « مستعمرة » بدت أكثر ملاءمة لحركة القوافل التجارية ، وهي تدمر في بادية الشام . ولعل قيام هاتين البؤرتين العربيتين على التخوم الشمالية لشبه جزيرة العرب ينطوي على دلالات أكثر بعداً من التجارة ، إذا توقفنا عند الدور الذي تصدّت له كلّ من البتراء وتدمر في حركة الصراع السياسي بين القوى الكبرى على المنطقة . فقد كانت الأولى ندّاً ، في بعض الأحيان ، للسلوقيين ، وصمدت أمام محاولات البطالمة لإخضاعها ، وحاربت المكابيين ( اليهود ) وانتصرت عليهم « 1 » . . كما تمردت الثانية على وضعها تحت السيطرة المباشرة للرومان ، مستغلّة فرصة انكسارهم أمام الفرس ، لتصل إلى إثبات حضورها العسكري وختاماً ، في مواجهة القوتين الكبيرتين ، قبل أن تتآمر عليها روما ( 276 م ) . وتحيلها مجدّداً إلى مستعمرة تابعة لها ، ولكن دون أن تنجح في تدجين شخصيتها الحضارية التي احتفظت كما البتراء على الرغم من المؤثرات اليونانية ، بأصولها العربية ، لغةً وأسماء ومعتقدات ، أكدت على هويتها العربية التابعة من عالمها الخاص . ومن اللافت أن العلاقات العربية مع القوى العظمى في ذلك الوقت الذي شهد تجاذباً حاداً على النفود بين الفرس والرومان ، كانت أكثر تفاعلًا مع العالم الغربي ، سواء في التعامل التجاري ، أو في النمط الثقافي بصورة عامة ، وليس ثمة شك ، أن البحر المتوسط ( الروماني ) شكّل امتداداً رحباً لهذه العلاقات ، بما يتّصل به من الأسواق القريبة والبعيدة ، المنفتحة بالضرورة عليه . ولم تعرقل تغيّرات العالم العربي في القرن الرابع الميلادي هذا الانفتاح ، حيث ورثت روما الجديدة ( القسطنطينية ) ، روما القديمة ، بعد أشتداد ضغط الجماعات البربرية على الأخيرة ، وتحويل الإمبراطور قسطنطين مقرّه نحو الشرق ممهِّداً بصورة غير مباشرة للانقسام الذي تكرّس في أواخر القرن ، وأفقد الإمبراطورية العظمى حالتها وبريقها السابقين . بيد أن الغرب الأوروبي الذي بقي له حضور ما ، يمثله القسم الشرقي من الإمبراطورية الرومانية تحت مظلة البيزنطيين « 2 » ، أو الروم في الأدبيات العربية ، ظلّ قابضاً على زمام الموقف في المنطقة ، كما انتقل إلى « روما الجديدة » الصراع التقليدي مع الفرس ، والذي كان من مظاهره اتخاذ كلٍ من الطرفين ، « حاجزاً » عربياً في مواجهة الآخر ، حيث اعتمد الفرس لهذه الغاية ، التنوخيين ، ثم اللخميين في العراق ، فيما استعان البيزنطيون بالغساسنة الأزديين للقيام بهذا الدور في سورية ( الشام ) . ولكن على الرغم من اندراج الإمارتين « الحاجزتين » في هذا النمط على العلاقة الغير متوازنة مع الدولة الراعية ، فإن هامشاً كانت لا تزال كلتاهما تحتفظان به ، ويحول دون التبعية المطلقة لها . وفي ضوء ذلك ، اعتنق اللخميون عموماً ، المسيحية على المذهب النسطوري المنتشر في العراق ، تعبيراً عن اتجاهات استقلالية ، ما لبث أن كبحها في النهاية الفرس ، في استدراجهم الأمير اللخمي

--> ( 1 ) لانكستر ، آثار الأردن ص . 50 . أنظر أيضاً : موسكاتي ، تاريخ الحضارات السامية ص . 202 . ( 2 ) نسبة إلى بيزنطة اليونانية التي بُنيت على أنقاضها عاصمة الإمبراطور قسطنطين وعرفت باسمه .